السبت، مايو ١٩، ٢٠٠٧

ضيعتنا.. الخيانة!

ضيعتنا.. الخيانة!

كنت أتابع الأخبار المؤلمة عن الإقتتال بين فتح وحماس في فلسطين ، وكيف أن إسرائيل فتحت معبرا على الحدود مع مصرلإدخال قوات موالية لرأس الفتنة المسمى دحلان للإجهاز على حماس وفق ما أوردته صحيفة هاآرتس الصهيونية على لسان حسني مبارك ، وأتساءل مع نفسي كيف يمكن أن تنتصر أمة نصفها من الخونة وأسلمت قيادها إلى فئة موالية لأعدائها؟

لم يطل بي الإنتظارحين داهمي خبر لا يقل سوءا! فلقد كٌشف النقاب عن أن السبب وراء تمكن قوات الناتو من إغتيال الملا داد الله (القائد العسكري لطالبان في أفغانستان النازفة) كان خيانة أحد المقربين منه.

نحن أمة قادرة على مقاومة أعدائها وإلحاق الهزائم بهم مهما كانت قوتهم وجبروتهم. ولكننا أمة تنهزم بالخونة من أهلها. تلكم هي الحقيقة المرعبة. فهل من سبيل لعلاج هذا الخلل؟ قبل أن نتمكن من معرفة العلاج لابد لنا أولا أن نضع أيدينا على العلة الحقيقة وراء ما نشاهده.

تطالعنا الصحف في كل يوم بأخبارعن شباب مصري وعربي يعرضون خدماتهم على أعداء أمتهم من الصهاينة وأعوانهم. وهذا أمر لا يبعث فقط على الدهشة ، ولكن أيضا ينبغي أن يحفز فينا تحركا حثيثا ، وعلى قدر أهمية الأمر ، في أن نبحث وراء الأسباب التي تؤدي الى مثل هذا الغياب للقيمة الوطنية في وجدان الكثيرين من شبابنا.

الأمر الأول في تصوري هو غياب المشروع الوطني الذي يلم الشباب حوله على جميع الساحات العربية. فالشعوب مهمشة والفئات الحاكمة تعمل لمصالح فئوية شخصية مرتبطة بأجندة الغرب في جميع البلدان العربية بلا إستثناء من دون خطط حقيقة لإحداث تقدم حضاري إجتماعي وزراعي وصناعي وإقتصادي نوعي وحقيقي والإكتفاء بمظاهر حضارية شكلية لمجتمعات إستهلاكية غير منتجة. وتستعين الحكومات العربية على شعوبها في ذلك بمنظومات من المنتفعين والإنتهازيين من إعلاميين وسدنة بيروقراطيين وبقوات قمعية من شرطة نظامية يتم رشوتها بالفتات الذي يسد رمقها ويحفظ ولاءها. وأحيانا يتم حتى الإستعانة بالبلطجية والخارجين على القانون في بعض البلدان لإحكام السيطرة على الشعوب. ويستتبع ذلك منع أي فكر وطني معارض من التداول في المجتمع سواء أكان في هيئة كتب أو ندوات أو وسائل إعلام مسموعة أو مرئية أو بالعمل بالإحتكاك مع الجماهير في المدارس والجامعات والأندية. ومن ثم يتم تجفيف منابع الفكر الوطني في المجتمع ليحل محله فكر العمالة والإنبطاح والجري وراء المصالح الخاصة.

الأمر الثاني هو سياسات الغرب (الذي يدعي الديمقراطية) تجاه البلدان العربية والإسلامية من إقامة ودعم أنظمة ديكتاتورية موالية له تعمل على تنفيذ أجندته من إبقاء الشعوب العربية شعوبا ضعيفة متخلفة وإستهلاكية لا تملك من إرادتها الوطنية شيئا. فإذا ما تمرد نظام عربي على هذه السياسات يتم محاصرة شعبه حتى تنحسر قدراته الدفاعية ويستبد الجوع بأهله وتعمل الحاجة عملها في الناس فيتحول جزء من الشعب من أصحاب النفوس الضعيفة الى الجري وراء لقمة لا تسد رمقهم ولا تحفظ عليهم حياةَ الموت أحسن منها حالا ، كما هو حادث اليوم في العراق المنكوب بالعمالة والإحتلال معا (وربما كان الأجنبي أقل سوءا من العميل لخشيته ممن قد يفضح أمره أو يحاسبه من بني جلدته).

الأمر الثالث هو هذه السلبية الغريبة من الشعوب العربية تجاه مقدراتها وما يدبر لها سواء أكان ذلك فيما يختص بالنخبة من المثقفين والواعين وممن لديهم المقدرة على إحداث نقاش وإثارة إنتباه المجتمع أو فيما يخص العامة ونظرتهم لما يجري حولهم. والأمر ليس وليد اللحظة ولكنها سياسات مستمرة منذ العديد من الحقب وأجندات يتم تنفيذها على مراحل متتابعة تحدد بشكل قاطع وفعال مصير هذه الأمة ومآلها. فبين من جلس يبكي على أطلال الماضي التليد وبين من أخذ على عاتقه أعادة عقارب الساعة إلى الوراء لإستعادته وبين من أنبهر بالواقع الغربي فاتخذ من هدم التراث العربي والثقافة العربية والأنقضاض عليها عمله الدؤوب وهمه الذي لايفطر، إنقسمت النخبة على نفسها فكريا ، وتفرقوا بين سجون الحكام وعلى موائدهم سياسيا. أما العامة فتراهم إما يركضون وراء أكل عيشهم قانعين بما تصل أو لاتصل إليه أيديهم مما يسد أو لا يسد رمقهم ، وإما قد روعهم بطش السلاطين بمن يفتح فاه فأغلقوا أفواههم وأفكارهم على مافي قلوبهم وأحلامهم مؤثرين السلامة.

بعد هذه النظره لأحوالنا ، كيف يمكننا النهوض من عثرتنا وتنقية صفوفنا من الخونة وأعادة ترتيبها والبدء في سعي حثيث في محاولة جبر ما فاتنا واللحاق بركب الأمم المتحضرة؟

في محاولة متواضعة للبحث عن إجابة أعود ألى المربع الأول وهو أنه لابد أن تتوفر إرادة سياسية وراء أي مشروع وطني أو قومي من أجل أن يتحرك ويرى النور. فكيف يمكن أن تتوفر مثل هذه الإرادة السياسية ونحن نعلم واقع الحال في جميع الأنظمة السياسية العربية.؟

في الحقيقة لقد جلست في محاولة لفك طلاسم هذه المعضلة التي نحن بصددها.
وبالطبع فقد يحاول نفر أن يستقوا حلولا من تاريخ الأمم الأخرى أو حتى من تاريخ أمتنا مما سبق. وقد يحاول نفر آخر أستقراء تعاليم ديننا الحنيف في محاولة إيجاد حل لمأذقنا الحالي. وقد يحاول نفر ثالث أن يستقوا الحل من ثقافتنا وتراثنا الشعبي. وكل هذه المحاولات هي شئ طيب في حد ذاته وعلامة على أننا نحاول الخروج من مأذقنا الحالي.

من تراثنا كما يقولون أن الناس على دين ملوكهم. غير أن تراثنا أيضا يقول كما تكونوا يُولى عليكم. وإذا ما جلسنا ننظر في هذا اننا سوف ننزلق إلى جدل عقيم! هذا المثل من التراث أردت أن أورده لبيان أن محاولات إيجاد حلول من التراث سواء الثقافي أو التاريخي أو حتى التعاليم الدينية وسواء أكان ذلك من تراث وتاريخ أمتنا أو أمم أخرى هو غير مجدي لتغييرهذا الواقع المرير الذي نحياه. لابد لنا من قراءة واقعنا قراءة دقيقة وتحديد نقاط القوة والضعف فيه. لابد لنا من تحديد دقيق لقدراتنا الذاتية وأحسن السبل للأستفادة القصوى منها وكذلك لابد لنا من تحديد مدى ما يمكن الإستفاده منه من الأصدقاء الذين قد يمدون يد العون لنا.

في النهاية أراني أخلص إلى نتيجة واحدة وهي أن الخيانة سواء أكانت في صفوف أمتنا أو أي أمة هي شئ عارض وهي نتاج فعل الحاجة في النفوس الضعيفة. وأن مصير هذه الأمة هو في النهاية مرتبط بمدى تحمل النخبة فيها للمهمة التاريخية المعلقة في رقابهم ، فهم وحدهم القادرون على بعث روح المقاومة في جسد الأمة. والأولى بهم ألّا يهابوا عصا السلطان وألّا ينجذبوا إلى جزرته!


ليست هناك تعليقات: