الاثنين، يناير ٠١، ٢٠٠٧

في الدين والتدين.. والتكفير

في الدين والتدين.. والتكفير!


لا شك أن الدين هام لكل البشر.. حتى غير المتدينين منهم!
ورحلة البشر مع الدين قديمة .. بقدم الأنسان نفسه ، فلطالما بحث الأنسان عن خالق هذا الكون المحكم.
وبعيدا عن فلسفة الفلاسفة يحكى أن أعرابيا بسيطا قال: أن البعرة تدل على البعير ، أفلا يكون لهذا الكون خالق!
وسواء أكان الشخص يؤمن بحقيقة أننا جميعا جئنا من نسل آدم عليه السلام أو أننا نشأنا عن تطور القردة حسب نظرية دارون للنشوء والإرتقاء ، فتجد أن الجميع يقرون بأن الكون أنما هو أحكم وأدق من أن يكون خُلق بالصدفة! الأمر المثير للأنتباه أيضا أن كثيرا من الملحدين يقضون طيلة حياتهم يجادلون في عبثية الدين ، وعندما يقترب أجلهم من نهايته تراهم أقل تحمسا لفكرة الإلحاد ، بل ومضطربين إلى حد أنك إذا سألتهم في الأمر يتغير جوابهم الى لست أدري! ويجدر الإشارة هنا إلى تفشي الأمراض النفسية وإرتفاع معدلات الإنتحار بين غير المتدينين. والدين في حياتنا هو قيمة ولكنها ليست عددية ، إنما هي قيمة "نوعية". وهي دائما موجودة معنا. فإذا حاولنا إنكارها نقول لا ندري! وإذا أقررنا بها ألبستنا لونا معينا ، إما أن يكون إسلاميا أو مسيحيا أويهوديا أو بوذيا أوهندوسيا.. إلى آخره!

غير أن الإيمان بدين ما ، هو في حقيقة الأمر قيمة "كَمية" قابلة للتفاوت في الدرجات ، بل وللزيادة والنقصان أيضا. فجميع معتنقي الأديان على إختلافها ، يتفاوتون في درجة تأثرهم بدينهم وتمسكهم به وتأثيره في حياتهم. فترى بعضا منهم يتضخم إعتقادهم الى درجة أن يصبح ثلاثي الأبعاد ويخلق لهم عالمهم الخاص الذي يعيشون فيه ولا يرضون بسواه ، بل وينبذون من لا يشاركهم عالمهم هذا. وعلى النقيض من ذلك تجد المفرطون الذين لا يأبهون كثيرا لأمر دينهم. وكما يقولون: ما دخل الإعتدال في شئ إلا زانه ومادخل التطرف في شئ إلا شانه وأن خير الأمور الوسط . فإن الإعتدال في التدين بلا إفراط أو تفريط هو أمر جد مرغوب.

ونحن إذا نظرنا لديننا الإسلامي الحنيف نجده يتوافق مع فطرة الناس ويلبي لهم ذلك المطلب الهام لإكتمال وتوازن شخصياتهم. وهو يساعدهم بتوجيههم وفق سياسات ترسم لهم معالم طريقهم وتهديهم في رحلتهم الدنيا. ويخط الإسلام خطوط عامة في كل مناحي الحياة و يفصل فقط في بعض الأمور المتعلقة بالعقيدة والعبادات وبعض المعاملات خاصة مايتعلق منها بالأسرة. ومما لاشك فيه أن السكوت عن تفصيل كل الأمور يحقق المصداقية لهذا الدين بأنه يتناسب مع كل عصر ويصلح لكل أمة ، وإلا لتقولب المسلمون في قالب ضيق ، يضيق عن متطلبات حياتهم من عصر لآخر. وقد يكون من المفيد هنا أن نشيرالى قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بشئون دنياكم. ولا شك أنه ينبغي للمسلم أن يستند إلى مرجعية دينية في أمور عقيدته وعباداته وفي أمور تتعلق بالأسرة مثل الزواج والطلاق والمواريث. لا يستطيع أحد أن يجادل في ذلك. وليس لأحد الحق في الرجوع باللائمة على من يفعل ذلك ، بل ربما أن العكس هو الصحيح! وأنا أقول "ربما" لأنه برأيي أن كل أنسان منوط به هو فقط أن يأخذ بما يعتقد من دين أو لا ، لأن حسابة لا يكون إلا من قبل ربه الذي يؤمن به ، اللهم إلا إذا كان هناك طرف ثالث معهما سيتأثر بذلك ، سواء أكان ذلك شخصا بعينه أو المجتمع بأسره.

يأخذنا ذلك إلى سؤال هام ألا وهو: كيف ينبغي أن يكون التعليم الديني؟
وهذا أمر حيوي وبالغ الأهمية وينبغي أن تكون لنا معه وقفة بسبب ما يترتب عليه من ظهور لأفكار ودعوات غريبة عن أصل الدين قد تاخذ عدة أشكال أخطرها أمرين: الأمر الأول هو ظهور أفكار تشوه الدين وتمسخه وتنقض فكرته من الأساس مثل البهائية وغيرها والأمر الثاني هو ظهور أفكار متطرفة من قبيل تكفير المجتمعات.

ولا يشك أحد في صدق وصحة مقولة إنما الدين بالإتباع وليس بالإبتداع ، وأنه إنما بالنقل وليس بالعقل. ونشير هنا إلى قول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ليس الدين بالرأي ، ولو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره. فالتعليم الديني أذن هو أمر ينبغي توحيده على أساس من المنقول عن سلفنا الصالح وليس على أساس كتابات الفلاسفة والمفكرون والمجتهدون. إنما يأتي دور هؤلاء في مرحلة ثانية بعد إرساء القواعد ورفع البناء مستقيما ، فلا ينبغي أن نبني من دون قواعد ولا أن نسقف من دون جدران! هل رأيت أحدا يدرس لدرجة الماجستير أو الدكتوراه من دون أن يتم تعليمه الأولي والثانوي والجامعي؟

من هنا ندرك فحش الخطأ الذي ترتكبه الدولة بمنع تدريس الدين في المدارس ومحاربتها للدعاة ومنعهم من التدريس بالمساجد إلا ما تمليه هي علي موظفين ومقيمي شعائر غير مؤهلين للدعوة! وهذا تضييع للتعليم الديني السّوي من ناحية ، ومن ناحية أخرى دعوة للشباب المتعطش للمعرفة الدينية لسلوك طرق وعرة لتعلم دينهم مثل مجتمعات ونوادي الأنترنت أو جماعات سرية تعمل في الخفاء مما ينتهي بهم الى الإنتماء إما لجماعات غريبة عن الدين وإما لأخرى متطرفة في فهمها له. ولقد كان فرز الغث من الثمين من تلكم الأفكار والمذاهب والمعتقدات وتنقيتها وتمحيصها يحدث بصورة طبيعية وعلى الملأ عن طريق المناظرات بين الدعاة في ضوء النهار وعلى رؤوس الأشهاد وعلى مسمع من الناس ، الذين يقررون بفطرتهم ماذا يتبعون. أن نهج الحكومة في التعامل مع المساجد والدعاة والتعليم الديني بالمدارس هو أمر ضار بالعقيدة والمجتمع ، وإنه إنما يخدم مصالح الغرب وخططه للإجهاز على هذا الدين ، اللهم إلا إذا كان هذا ما ترمي إليه الحكومة وما تشارك فيه!

إن هذا الدأب من الحكومة أدى إلى ردود فعل عكسية لدى معظم المسلمين المتدينين والذين يخشون من تفسخ عقيدة أبنائهم ، ما دفعم إلى إستئجار من يقوم على تحفيظ أبناءهم للقرآن الكريم وتعليمهم دينهم في منازلهم!
سوف يؤدي ذلك حتما إلى ظهور جيل من المُكفّرين الذين يرفضون المجتمع بكل ما فيه! إننا نعي جيدا قول رسولنا الكريم : إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق. غير أن ذلك لا يتحقق للشباب إلا إذا كان التعليم الديني في وضح النهار ، وفي أماكنه الطبيعية وعلى يد دعاة ثقات لا يزنون الدعوة بميزان رضا الحكومة من عدمه!
إنني أُحذر الجميع هنا لخطورة ذلك. وأنا شخصيا أعتقد أنه ليس لأحد الحق في أن يُكفّر أحدا ، اللهم إلا من أراد هو أن يُكفّر نفسه وقام بالإعلان عن ذلك بنفسه. و درءا للفتنة والفساد يحق فقط للحاكم مساءلته في ذلك. أما الأفراد فلا يحق لأحد منهم تكفير الآخرين لأي سبب من الأسباب.

نخلص من ذلك إلى أمرين هامين:

الأمر الأول هو أن الدين ، ولأهميته في حياة الناس ، ينبغي أن يُستقى من مصادره الشرعية الموثوقة والتي تحفظه غضا نديا للناس ، وينبغي أن يقوم على تعليمه للناس والنشئ دعاة ثقاة يُفتح لهم المجال لتعليم الناس دينهم الحق في المساجد والمدارس وبلا تضييق أو تهديد.

والأمر الثاني هو أن درجة الإلتزام بالتعاليم الدينية هي أمر شخصي ينبغي أن يُترك بين المرء وربه ، إلا ما كان منه يتعلق بالمجتمع أو بأشخاص آخرين وأنه لا ينبغي لأحد من عامة الناس أو خاصتهم أو من الدعاة أن ينصب من نفسه قاضيا على الآخرين يحاكمهم ويحكم عليهم ، وأن أمر الحكم على معتقدات الناس لا ينبغي إلا لمن هو منوط به هذا الأمر.

والله من وراء القصد وهويهدي السبيل.

د. أحمد مراد

ليست هناك تعليقات: