نحن والخليفة.. ودولة الخلافة
لاشك أننا جميعنا بتنا نأسى على ما وصلت إليه حال أوطاننا العربية والإسلامية ، والتي باتت تشكو كلها من ضعف وفقر وتسلط وأستبداد للأنظمة الحاكمة ، وبتنا يصعب علينا ليس فقط ادراك السبب فيما وصلنا إليه ووإنما أيضا كيف يمكننا الخروج مما نحن فيه!
والكثيرين في ساحة العمل السياسي ممن أصطلح على تسميتهم بالأسلاميين ممن يطرحون برنامجهم للعمل السياسي من خلال هذا الأطار شديدي القناعة بأنه لا صلاح لأحوال الأمة الآن إلا بما صلح به أولها ، على أيام سلفنا الصالح رضوان الله عليهم. وقد لا نستطيع الجدال في صحة هذه المقوله على وجه العموم ،غير أن الأمر يحتاج الى تفصيل لأن شعارا مثل "الأسلام هو الحل" عندما يطرح في بلد إسلامي من فصيل ينتهج منهجا إسلاميا يفتح المجال لتساؤلات كثيرة. وحسما للجدل ، وبافتراض حسن النية فيمن قام بهذا الطرح ، وأنه لا يرمي - كما أثير- الى التعريض بحقيقة إسلام القطاعات السياسية الأخرى ، فسوف أفترض أن من قاموا بطرح هذا الشعار أنما قصدوا أن "منهج الأسلام هو الحل".. وهنا نأتي الى سؤال هام: ماهوالمقصود بهذا المنهج وماذا يتضمن؟
بالتأكيد ليس المقصود بهذا المنهج هو أن يُصبح الناس مسلمين صالحين يصلون ويزكون ولا يكذبون ، فكل مسلم يُفترض فيه أن يكون صالحا ، وإذا كنا نقصد أن نُربي النشئ تربية صالحةً ، فإن هذا مكانه البيت والمدرسة والمسجد والكنيسة. وأما إذا كنا نقصد أن يُصبح المواطنون صالحين فلا يختلسون ولا يرتشون ولا يخالفون القوانين ، فإن ذلك أيضا مكانه البيت والمدرسة والمسجد ، وإذا لزم الأمر ففي المحكمة والسجن.
المقصود أذن هو إنشاء الدولة الإسلامية.. بمعنى دولة تعلي كلمة الله في الأرض وتقيم شرع الله بين عباده ولكنها ليست دولة دينية يسيطر عليها رجال الدين فيتحكمون في رقاب العباد ويسيّرون حياة الناس وفق فهمهم هم لهذا الدين ، والذي ليس بالضرورة الفهم الأمثل أو الأصح! وأنا شخصيا لا أرى في ذلك عيبا ولا نقيصة ، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما شكل هذه الدولة؟ هل هي دولة خلافة أم أنها يمكن أن تكون دولة على الطراز الحديث؟
لا شك أن الكثيرين ممن هم أسرى لتاريخنا الأسلامي الحافل بالفتوحات والأنتصارات والريادة الحضارية بين الأمم يتوقون لعودة هذه الأمجاد. غير أن ذلك يصعب تحقيقه الآن ، ليس فقط بسبب الفارق التقني بيننا وبين الأمم التي تنقض علينا ، وإنما أيضا بسبب عاملين هامين.
العامل الأول يكمن في تدهور مكونات الشخصية الإسلامية والعربية على مستوى الأفراد في الوقت الراهن والظروف الأجتماعية والإقتصادية المحيطة بذلك والمؤثرة فيه. فلا شك أن أسوأ ما في تخلف الأمة العربية والأسلامية هو في جانب السلوكيات على المستوى الفردي والعوامل الأقتصادية والأجتماعية التي تؤثر فيه وتدفع في إتجاهه. ونظرة فاحصة على الشارع في معظم البلاد العربية والإسلامية سوف تدلنا على التدهور في هذا الجانب من الشخصية. وبقليل من التفصيل: سوف نرى أن عدم الأنضباط والعشوائية وعدم الإلتزام بالقوانين وعدم إحترام حقوق الآخرين ومحاولة تخطيهم أوسلبهم حقوقهم باللجوء للواسطة أوالمحسوبية أو حتى "الفهلوة" والفساد هي سمات سائدة ، هذا بالأضافة إلى الأفتقار للغة الحوار وثقافة تقبل الآخر وعلو النعرة الطبقية أو العرقية أو الطائفية. ما يزيد الطين بلة هو هذا التدهور الأقتصادي الواسع وأنتشار البطالة وتراجع الناتج القومي وغياب الخطط القومية للنهوض بالمجتمع وتصليح مواطن الخلل فيه بسبب إنتشار الفساد في أوساط النُخب الحاكمة المستبدة والمستندة على دعم خارجي من أعداء الأمة.
العامل الثاني هو غياب الشخصيات القيادية المؤثرة والقادرة على لم المواطنين حولها وبالتالي القادرة على تحريك الشعوب وقيادتها في مواجهة مع الأنظمة الفاسدة المستبده والتي تمارس أقصى درجات الإرهاب الفكري والبدني على شعوبها.
في هذا المناخ كثر المؤمنين بخرافة المهدي المنتظر أو الخليفة الغائب والذي سيأتي لينتشل الأمة من الضياع! وهذه أحلام تشبه الى حد كبير أحلام البنات المراهقات الذين ينتظرن فارس الأحلام ليأتي على حصانه الأبيض لينتشلهن من الوحدة والفراغ واليأس! فهل حقا هناك مهدي منتظر أو خليفة غائب؟
أن الخليفة هو كل فرد في الأمة! والخلافة هي إيماننا بحقوقنا في العيش الحر الكريم والمساواة والعدل وأن نكون مثل باقي البشر في شتى الأمم! الخلافة ليست بيعة نبايع فيها شخصا ما على السمع والطاعة في المنشط والمكره.. ذلك أمر أنتهى منذ زمن بعيد ، بعد أن تسبب في أنتكاستنا وضياعنا عندما قبلنا أن يكون ذلك لسلاطين وأمراء وملوك كان كل همهم وجل شاغلهم هو مصالحهم الخاصة وتأمين الحكم لأهلهم من بعدهم فضاعوا وضيعونا.
إن الذي أدى الى ضياعنا هو برأيي أمرين:
الأمرالأول هو أننا لم نفطن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خير القرون هو قرنه صلى الله عليه وسلم ثم الذي يليه .. وهكذا. يستتبع هذا أنه كان ينبغي علينا أن ندرك أن أُناسا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ عليهم رضوان الله أستحال أن يتكرروا. ولما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن الخلافة سوف تتحول في وقت ما إلى مُلك عاض ، فإنه كان ينبغي ألا نستسلم لأي سلطان يدعي بأنه "الخليفة" ، وكان لزاما علينا أن نتمسك بأن يكون الحكم بيد الشعب وأن نرفض اية وصاية دينية لأيّا من الحكام! ويلي ذلك أيضا ألا نبايع أحدا على الطاعة إلا إذا إلتزم بعهده وميثاقه مع الشعب والذي هو ما اصطلح على تسميته "بالدستور" والذي ينبغي أن يُستقى من الشرع وأن يُصاغ على ضوءه بما يحقق مصالح الشعب ويضمن له ألا يتسلط عليه حاكم ما. ذلك ما تعلمناه من الفاروق عمر رضي الله عنه عندما قال أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ولأن فهم أحدنا للدين لن يكون كفهم عمر رضي الله عنه له ، فإنه ينبغي في وقتنا هذا الأحتكام إلى إحكام يُتفق عليها وتُستقى من الشرع ويصعب الخلاف عيها وهو مايعني الدستور.
الأمر الثاني هو أننا للأسف غفلنا لأزمنة عديدة عن صراعنا مع عدو لم يغفل عن صراعه معنا للحظة واحدة، وأقصد بذلك الغرب بفكره الحاقد على الإسلام وومحاولاته الدؤوبة لمحوه والقضاء عليه. وما يُؤْسف له هو أن شعوبنا إنما هي شعوب عاطفية تتأثر بسرعة وتنسى بسرعة وتغفل عن عدوها. فنحن كنا نركن الى التراخي والدعة في أعقاب ردنا لكل هجمة هجمها علينا الغرب. حدث ذلك بعد أن طردنا الصليبين من بيت المقدس على يد صلاح الدين ، وحدث أيضا بعد أن تخلصنا من الأحتلال العسكري لبلادنا في منتصف القرن الماضي. لم ندرك أن الغرب إنما كان يغير من وسائله وأساليبه في الأنقضاض علينا ، حتى وجدناه الآن يغزونا بإحتلال داخلي يتمثل في حكومات فاسدة وعميلة مدعومة منه هي أشد وطأة من الإحتلال الخارجي ، وبإحتلال ثقافي هو الأنكى تأثيرا يعمل على محو هويتنا وثقافتنا الإسلامية ونشر ثقافة الإباحية والتحلل والخنوع بين شبابنا. ثم إننا في غمرة غفلتنا هذه لم نطور صناعة ولم نصنع سلاحا ندافع به عن أنفسنا ، وإنما أكتفينا بأن نستجدي السلاح من أعدائنا. بئس القوم نحن إذن!
نحن لسنا في حاجة الى خليفة ، لأن الخلفاء الراشدون لا يتكررون ، ولسنا في حاجة الى دولة خلافة لأ ن دولة الخلافة بدون خليفة راشد هي مُلك عاض أدى إلى ضياعنا من قبل وما يزال!
نحن في حاجة إلي شباب واعٍ ومؤمن بدينه وبلده وقضيته ويثق بقيادات رشيدة تعد العدة وتعزم الأمر وتتوكل على الله. هذه القيادات الرشيدة لا تهبط علينا من السماء ، ولا تأتينا بصالح الدعوات فقط وإنما نصنعها نحن بأيدينا وبتوفيق من الله ببرامج لصنع القادة وبسياسات تعمل على نشر الوعي الوطني والديمقراطي وإعلاء مصلحة الأمة مع صون مصالح الأفراد.
أيها السادة المنتظرون لعودة الخليفة الغائب ليقيم لكم دولة الخلافة: أنتم الخليفة وأنتم الخلافة وأنتم من يصنع ذلك.
د. أحمد مراد
أيها السادة المنتظرون لعودة الخليفة الغائب ليقيم لكم دولة الخلافة: أنتم الخليفة وأنتم الخلافة وأنتم من يصنع ذلك.
د. أحمد مراد
هناك تعليق واحد:
أشهد أنا لا الله الا العقل
الألحاد هو الحل
إرسال تعليق