الأحد، فبراير ١٨، ٢٠٠٧

مصر: من أين.. وإلى أين؟

مصر: من أين.. وإلى أين؟


ماذا خسرت مصر بفقدان جمال عبد الناصر؟
عند الإجابة على هذا السؤال قد يهالنا مدى سهولة الإجابة علية .. ومدى صعوبتها في أن واحد!
من السهل علينا أن نقول : نعم لقد خسرت مصر الكثير بفقدانه..
ولكنه أيضا من الصعب علينا أن نحدد حجم هذه الخسارة! ذلك أن الطوفان لم ينتهي بعد ، ولما تهدأ العاصفة.
وليس هذا نحيبا على عبد الناصر ، والذي لاشك ، كأي قائد إتخذ العديد من القرارات المصيرية في أوقات حرجة له نجاحات وإخفاقات. وكما أن مقام مراجعة حقبة عبد الناصر ليس هذه السطور، فإنها أيضا ليست إختصارا مجحفا لتلكم الحقبة. قد يكون أسوأ ما كان في حقبة عبد الناصر ، بحسب الكثيرين ، هو ما شابها من سلبيات على مستوى الحريات العامة والخاصة للمواطنين. ومع إحترامنا لمشاعر من إكتووا بنارتلكم الممارسات والتي لاشك أنها لم تؤلم إلا من مسته ، لكنه لا يستطيع أحد أن يجادل أن تلكم الحقبة تميزت بعلو المد الوطني والقومي وبتنامي بناء الدولة المصرية. وسواء أتى أمر "ثورة يوليو" بالصدفة (أي بتقدير ربنا سبحانه وتعالى) ، كما يزعم أستاذنا محمد حسنين هيكل في تجربته الحياتية على قناة الجزيرة ، أم أنه كان بفعل فاعل وعن سبق إصرار وترصد كما يحلو للناصريين أن يروجوا ، فإن النتيجة هي أن الأمة ، وبمجئ ثورة يوليو ، فجاة وجدت طريقها.. والذي ما لبثت أن ضلته فجأة أيضا بفقدان عبد الناصر! وهذا بيت القصيد!

نعم إن أهم ما خسرته مصر ، والوطن العربي ، بفقدان عبد الناصر هو فقدان الطريق..والبوصلة إلى الإتجاه الصحيح! وفي تقديري ، وربما أكون مخطئا ، أن السبب وراء ذلكم التحول التاريخي في مسيرة الأمة إنما يرجع إلى خطإٍ تكتيكي وقع فيه عبد الناصر ورفاقه أنفسهم.. فما هو ذلكم الخطأ؟

لا شك لدي أن السادات كان مخترقا من قبل الغرب.. وأن عبد الناصر كان يعاني الأمرين من الروس الذين لا "يحمون" ظهرا ولا "يبلون" ريقا (أو كما يقول المثل العامي المصري"المتغطي بيهم عريان") ، مما دفع عبد الناصر لأن يضع السادات ، وهو المعروف بميله الى الغرب ، في منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية كنوع من مواربة الباب مع الغرب وترك مساحة للمناورة وإيجاد خيارات بديلة من ناحية ، ومن ناحية أخرى للضغط على السوفييت. غير أنه قد تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن! فمع موت عبد الناصر المفاجئ واعتلاء السادات سدة الحكم ، وجدت مصر نفسها وقد أنفتح الباب الذي أريد له أن يكون مواربا فقط على مصراعية أمام الغرب!

وسواء أكانت حرب أكتوبر عن إعداد وإستعداد وكانت بحق "حرب تحرير" ، أم أنها كانت مناورة متفق عليها و"حرب تحريك" كما يزعم البعض ، فإن النكبة الكبرى التي حلت بالعرب والمسلمين ، وإن كانت بدأت بإحتلال فلسطين ، أنما تأكدت بإتفاقية كامب ديفيد التي شقت الصف العربي وكشفت فيما بعد عن عورات حكام العرب. وسواء أكان السادات ذهب إلى القدس ، ومن ثم كامب ديفيد ، لأنه كان مُخترقا من قبل الماسونية العالمية أو لأنه عميلا للصهاينة ، أم أنه كما يروج مؤيدوه ، إنما أقدم على ما أقدم عليه يأسا من حكام العرب ذوي الوجوه المزدوجة ، فإن النتيجة واحدة: وهي إعلان إنهزام العرب والتسليم بضياع فلسطين. وليس صحيحا أن المسؤول عن ضياع العراق فيما بعد هم جماعة "بن لادن".. ولكن المسئول هو إنهيار صف الحكام العربي. ونحن نقول إنهيار صف الحكام لأن الأيام التي تلت سقوط بغداد أظهرت لنا بوضوح نوعين من السقوط: سقوط الحكام والأنظمة وجيوشها وسقوط إرادة الأمة ومقاومة الشعوب. ومن حسن طالع العرب والمسلمين أن إرادة الأمة وعزيمة الشعوب على المقاومة لم تسقط بعد ، وشاهدنا على ذلك هو إنتصار إرادة المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان. وهذا ليس غريبا. فليس من المنطق أن ننتظر إنتصارا لحكومات مدعومة من أعدائها ولا لجيوش تتسلح منهم ، في حين أن إنتصار إرادة المقاومة التي تفتدي الوطن بالنفس والنفيس هو النتاج الطبيعي لصراع البقاء وهو ما ينبغي أن نعوّل عليه.

غير أن خسائر مصر على يد السادات لم تتوقف عند تداعيات إتفاقية كامب ديفيد والتي أطلقت يد اليهود والأمريكان في شئون مصر وتداعيات ما زعم أنه سياسة "الإنفتاح" والتي ركب موجتها حفنة من الأشرار لا يتورعون عن مص دماء أهليهم وسلوك كل الطرق وصولا إلى المال والسلطة! فقد كانت مصر مع موعد آخر وخسارة أشد وطأة هذه المرة بموت السادات نفسه!

وسواء أكان مقتل السادات نجم عن إستعدائه للجماعات الإسلامية والتنكيل بشيوخهم ووصفه إياهم بأنهم "مرميون في السجن زي الكلاب" ، أم أنه جاء نتيجة لإنتهاء دوره بالنسبة للغرب والحاجة إلى دور جديد يأخذ الخطة المرسومة إلى حدودها الأبعد وإلى مداها الأقصى ، كما يحلو للبعض أن يرسم الصورة القاتمة إستنادا إلى نظرية المؤامرة ، فإن النتائج كانت كارثية على مصر بكل المقاييس!

فبعد إعتلاء مبارك السلطة وجد المصريون أنفسهم محكومون بالحديد والنار من قبل شخص ليس له قلب ولا تعرف الرحمة إلي قلبه سبيل! ذلكم الرجل المشهور عنه غلظته وقسوته المفرطة أيام أن كان قائدا بالقوات الجوية حتى أنه كان لا يتورع عن ركل حتى الضباط تحت إمرته "بالشلوت"! ويحكى من كانوا يجاورونه في سكنه في ذلك الوقت أنه كان يُرى في بلكونة شقته ساعة صلاة الجمعة لأنه لا يذهب إلى الصلاة! هذا الرجل القاسي القلب هو من أرسى قواعد الفساد في مصر وأصّله وقنن له! وبعد حكايتة المشهورة مع ‘إباظة‘ أصبح كل من يطمح إلى الثراء بطرق غير مشروعة يتسابق لإشراك أحد أبناء مبارك معه لكي يضمن أن تُفتح كل الأبواب أمامه وأن لا يقترب منه قانون!

وأخذ الفساد ينخر في عضد مصر كالسوس حتى تقوضت كل مقومات الدولة وكل مؤسساتها ، وتلوثت ذمم الكثيرين من المصريين قبل مياههم وضاعت النخوة فيهم بفعل إرهاب الأمن ، والذي تحول من حماية المواطنين إالى حماية الفساد وتسابق مع الفاسدين في مص دماء الشعب ، تارة ، و بفعل الأمراض التي باتت تحصدهم والفقر الذي ألتف حول رقابهم وكبلهم بالحاجة والعوز والدين كالحية الرقطاء عندما تشل حركة فريستها تارة أخرى!

عمل مبارك داعية الفساد على التخلص من كل الشرفاء والوطنيين وطاهري القلب واليد واللسان طيلة سنوات حكمه! وعمل على إضعاف القوات المسلحة و"مرمغة" شرفها في وحل الأمن المركزي حتى أصبح جيش مصر العظيم أثرا بعد عين! إشتهر عن مبارك أنه لا يطيق أن يسمع عن ناجح في موقعه خوفا من أن تزداد شعبيته ، وأن من لا ينصاع لأوامره من زمرته يؤتى به إليه في مكتبه لتكال له الشتائم والركلات على كل لون حتى أصبح جميع من حوله يخشونه حتى في غرف نومهم ، وأخذ هو يتباهى بأن موقع الرئاسة يحتاج إلى "مؤهلات خاصة".. هي تلكم المؤهلات! بالطبع هذا منطق الديكتاتور ، فكل ديكتاتور يحكم بنفس الأسوب ، أما الحكم الديمقراطي فلا يحتاج "لمؤهلاته الخاصة" هذه وإنما يحتاج إلى تفعيل القانون وتجريده من المصالح الخاصة.

أصبح شباب مصر يهجرونها بكل الطرق ، فإن لم تسعفهم الطرق القانونية رموا بأنفسهم إما إلى البحر وإما إلى عملاء الموساد والسي آي إيه لخيانة ما تبقى من وطنهم! أصبح شباب مصر سلعة لمن يؤمّن لهم لقمة ولو حتى غير شريفة ، فإن لم يستطيعوا أن يجدوها إمتدت أيديهم الجائعة حتى الى الأيدي التي أحسنت إليهم!

وفي عهد مبارك تدنت مكانة مصر بين الأمم بعد أن كان لها دور الريادة بينهم. وتخلف أداء المصريين وأهتزت صورتهم وعمتهم العشوائية والتخبط وسوء التنظيم وغياب الصيانة الدورية والتدريب والتعليم المستمر ، وبذلك تراجع منتوجهم القومي وتراجع إقتصادهم. لم يعد أحد من المسؤلين وموظفي الدولة ولا حتى من العمال يبالي من واجباته ومسئولياته بشئ إلا بما يعود عليه هو فقط بالنفع!

وإذا كانت الأمور قد وصلت إلى هذا الحد فمن حقنا أن نسأل مبارك لماذا ضيعت مصر؟ ولماذا خنت أمانة الحفاظ عليها؟ ولماذا إستحللت أموال ودماء أبناءها؟ وفي أي موضع من صفحات التاريخ ترى مكانك؟

وفي كل هذا الخضم وفي هذا الوقت العصيب الذي زادت فيه هجمة أعداء الوطن عليه يريدون أن يفترسوه وأن يستعبدوا أهله ، مما يلقي على عاتق المصريين بمسئولية أكبر ووطأة أشد وحاجة ماسة إلى مضاعفة الجهد والتوحد خلف قيادة وطنية شريفة تنقذ الوطن من الإنهيار، نجد أن مبارك وزبانيته يعملون على توريث حكمه الفاسد إلى إبنه!

ليس لنا إلا أن نقول: "صحيح إللي إختشوا ماتوا"!

د. أحمد مراد

ليست هناك تعليقات: