الثلاثاء، ديسمبر ٢٦، ٢٠٠٦

الأخوان المسلمون ..بين مطرقة النظام وسندان الدعوة

الأخوان المسلمون ..بين مطرقة النظام وسندان الدعوة


1


لست عضوا بجماعة الأخوان المسلمين... ببساطة شرف لا أدعيه لنفسي!
تلك هي الحقيقة.. فمذ زمن طويل حاولت أن أكون منهم ولم أُفلح ، وعليه فقد أكتفيت بقول الأمام الشافعي رحمه الله: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أجد منهم شفاعة ، وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة!
نعم أنا واحد من أولئك الذين ثقل عليهم العمل وخف عليهم الكلام .. فتكلموا!
وأما هؤلاء الناس فيواظبون على أعمال الطاعات من قيام لليل ، وقراءة للقرآن بالليل والنهار ، ويحرصون على كل النوافل في حين أنني أكافح لأداء الفروض وأكتفي بحبي للناس. أما هم فتراهم ذوي همم عالية في القيام على الدعوة وخدمة الأخوان والزملاء ولايبخلون بالوقت والجهد والمال في حين أركن أنا إلى الكسل والخمول. غير أن ثمة سبب آخر حال بيني وبين الأنخراط في الجماعة وهو أنني ، بطبيعتي المتمردة ، لم أراني في يوم من الأيام يمكنني أن أبايع أحدا على السمع والطاعة في المنشط والمكره! وصحيح أنني أديت الخدمة العسكرية ، ولكن من رحمة ربي بي أنني لم أجد نفسي يوما في موضع تنفيذ الأوامر ولو غلط!
لم أرتضي أن أبيع عقلي يوما لأحد ، ولا حتى لأبي رحمه الله. دائما أحتفظت لنفسي بالحق في أن التزم الجانب الذي أراه صحيحا. غير أنني بطبيعة الحال ألتزم بالقانون وأنصاع له ولا تجد طبيعتي المتمردة في ذلك أية غضاضة. فشتان بين أن تبيع أرادتك لفرد أيا كان ، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم بالوحي ، وأن تنضوي أرادتك تحت جناح القانون. فشخص ، مهما كانت درجة علمه وحصافة رأيه ورجاحة عقله وبلوغ حكمته ، أنما هو عرضة لأهوائه ومحدود بحدود علمه. وأما القانون فالمفترض أن يصوغه كل حكماء الشعب مجتمعين ويمحصوه وينقوه ، وهو كيان قابل للنمو الأيجابي وليس لتقلبات المزاج الشخصي ، والمفترض أيضا أن يقوم على تطبيقة أشخاص متجردون من المصالح والنوايا وفي ظروف تتسم بالشفافية. غير أن القوانين التي تحكمنا بها حكومتنا ، للأسف ، هي شئ آخر!

غير أنني لا أخفي إعجابي الشديد بشخصية الأمام حسن البنا وصدقه وتجرده لدعوته. وأنا كذلك شديد الأعجاب بالدعوة ذاتها وغاياتها كما أفهما. وانا أفهم دعوة الأخوان على أنها دعوة لأعلاء كلمة الله ليس بالعنف أو بحد السيف ولكن بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والدعوة اللينة والصبر على جاهلية الناس وجهلهم والمثابرة على دعوتهم ومد الأيدي للجميع بلا إستثناء. والهدف من الدعوة كما أفهمه هو إقامة دولة متدينة و ليس إقامة دولة دينية. فهم يريدون تربية الطبيب المسلم والمهندس المسلم وعامل المحارة المسلم وربة البيت المسلمة والمعلمة المسلمة وحتى رئيس المؤسسة المسلم. والمقصود بالمسلم هنا هو الملتزم بحدود ما شرع الله لعباده ، المؤتمر بأوامره ، والمنتهي عن نواهيه ، والواعي بحقيقة الأسلام ورحمته وسعته. وبالضرورة ، فبهذا المفهوم ، لم يصور لنا أحد من دعاة الأخوان الدولة المسلمة على أنها دولة رجال دين وفقهاء وأنما هي دولة ذوي خبرة وعلماء. وهذ ما وضع دعوة الأخوان المسلمين في مفارقة شديدة مع دعوة الوهابيين في الحجاز ودعوة السلفيين وجماعة الجهاد في مصر ، ناهيك عن دعاة الحاكمية أمثال الشهيد الداعية سيد قطب رحمه الله والدكتور أيمن الظواهري والشيخ أسامة بن لادن. لم أسمع ان الإخوان يكفرون أحدا ، لا بمعصية ولا بإثم ولا بخلاف في الرأي أو في المعتقد!



2


ليس خافيا على أحد ، لا أبعاد ولا أهداف ما تتعرض له جماعة الأخوان هذه الأيام من تنكيل من قبل النظام الحاكم في مصر. فالنظام الحاكم يريد إرهاب الجماعة وإضعافها وصرف الناس عنها. النظام يريد تمرير عبثه بالدستور لصالح الفئة الحاكمة بدون أن يتعرض له أحد من المعارضه بسوء ولذلك فقد أختار أقوى فئة فيها للتنكيل بها لإرهاب الباقين. وهو أيضا يريد تدارك الخطأ الأسترتيجي الذي وقع فيه يوم أن رضخ لضغوط غربية ووارب باب الديمقراطية قليلا ففوجئ بدلوف جماعة الأخوان منه الى مجلس الشعب بما يقرب من المائة نائب مما خلق له صداعا لا ينتهي. ولقد تدارك النظام الخطأ وقتها وأغلق الباب بالضبة والأمن المركزي على أثر عدة أتصالات تليفونية بين شارون وبوش ومبارك وإلا لكان لدينا اليوم حماس مصرية!
والنظام سوف يمضي في مسلسل الأستبداد الى آخره. ولأن الحظر لم يجدي نفعا مع الجماعة ولم يصرف الناس عنها ، ولأن التشنيع بالجماعة في أجهزة أعلام النظام الهابطة لا يزيد الشعب إلا إلتفافا حولها ويتحول الى دعاية مجانية للجماعة فينقلب السحر على الساحر ، فإن الحكومة لن تتورع عن الإعتقال والسحل والأضطهاد لكوادر الجماعة على كافة المستويات وتلفيق تهم الإرهاب وغسيل الاموال لهم لتجفيف المنابع الإقتصادية للجماعة. كل ذلك لم يعد أمرا متوقعا وإنما هو واقع ملموس نراه جميعا. والجماعة والمتعاطفون معها أصبحوا يضجون من هول ما تعانيه من إضطهاد من قبل نظام لا يعترف بقانون أو عُرف أو حدود ، لا حمراء ولا صفراء ولا حتي بكل ألون الطيف. وهدف النظام التكتيكي هو دفع الجماعة تحت وطأة الضغوط الشديدة للرد بإستخدام العنف المضاد وبالتالي تعطيه مسوغا لإستئصالها بالكامل.

ولاشك أن هناك الكثيرين من الشباب المتحمسين داخل الجماعة والذين يدفعون في إتجاه الصدام مع النظام ، غير أن الحكماء من شيوخ الجماعة يبذلون جهودا مضنية لمنع ذلك. وذرائعهم أنه لا ينبغي أن تفقد الجماعة مصداقيتها لدى الشارع بأنها جماعة تنتهج نهج سلمي ولا تلجأ للعنف بأي شكل من الأشكال مهما دفعها النظام الى ذلك. وأنها لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف أن تعطي للنظام ما يريد من مسوغ يمكنه من إستئصالها. كذلك فأن القائمين على الجماعة يريدون أن يمحو من مخيلة البعض الصورة السلبية التي ألصقت بالجماعة من جراء التنظيم السري الذي فككته وتخلت عن فكرته التي أضرت بها كثيراً.

كلنا يعلم أن لكل قَدر محكم الغطاء يغلي طاقة محدودة على التحمل قبل أن ينفجر ، نرجو أن يعي النظام الفاشي ذلك ، وأن كنا نشك في قدرته على الأستعاب! فإذا إنفلت كثير من الشباب المتحمس من عقال شيوخهم فإن البلد قد تتفجر في موجة غير مسبوقة من العنف. كل ما نريده هو قليل من العقل والحكمة لدى من يدّعون بأنهم بصدد نقل ديمقراطيتنا التليدة نقلة نوعية الى آفاق العالم المتحضر!

ليست هناك تعليقات: